الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

480

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

بقي هنا أمور : الأمر الأوّل : هل هذا الحكم أعني المعاملة مع السلطان الجائر معاملة العادل وإعطائه الخراج والزكوات وغيرها إليه وإبراء الذمّة بذلك مشروط بحال « التقيّة » و « الضرورة » ، أو أنّه مطلق ، فيجب دفعه إليه وان قدر على منعه منه بغير محذور ؟ وبعبارة أخرى : إنّ الشارع أمضى سلطنة الجائر على هذه الأمور بحيث لا يجوز منعه منها . ويحرم خيانته وما أشبه ذلك ، لبعض المصالح المتعلّقة بالإسلام والمسلمين ، ولو من جهة حفظ النظام قبل قيام الحكومة الحقّة الإلهية ، أو أنّه لم يمضها كذلك ، بل يكون الدفع إليه من جهة ضرورة الدافع لا ضرورة المجتمع الإسلامي ؟ نسب القول الأوّل فيما يظهر عن الحدائق إلى جماعة من الأصحاب « 1 » . وقد يظهر من بعض عباراتهم ذلك في بدو النظر ، مثل ما عن المحقّق الكركي رحمه اللّه في رسالته : « ما زلنا نسمع من كثير ممّن عاصرناهم ولا سيّما الشيخ الأعظم الشيخ علي بن هلال رحمه اللّه أنّه لا يجوز لمن عليه الخراج سرقته ولا جحوده ولا منعه ولا شيء منه لأنّ ذلك حقّ واجب عليه » « 2 » . بل قد يستظهر إجماع الأصحاب على ذلك ، ولكن لا يبعد أن يكون مرادهم ما أفاده شيخنا الأعظم قدّس سرّه في مكاسبه من أنّه ناظر إلى المنع والإنكار المطلق ، لا منعه من الجائر وإعطائه إلى الحاكم الشرعي أو نائبه إذا لم يكن فيه محذور ، ولذا اختار هو جواز المنع في هذه الصورة « 3 » وكذلك صاحب الحدائق في ذيل كلامه في المسألة « 4 » . وعلى كلّ حال يمكن أن يستدلّ على هذا القول بأمرين : « أحدهما » مقتضى القاعدة ، لأنّ الأصل عدم جواز إعطائه إلى غير أهله ، والقدر المتيقّن من الأدلّة المجوّزة هو ما إذا كان مجبر على ذلك ، أمّا إذا كان مختارا فيه ، فيشكل استفادته من الأدلّة ، فهي منصرفة من هذه الصورة لا أقل .

--> ( 1 ) . الحدائق ، ج 18 ، ص 242 . ( 2 ) . المكاسب المحرّمة ، ص 74 . ( 3 ) . المصدر السابق . ( 4 ) . الحدائق ، ج 18 ، ص 259 .